موقد موقع الثقافة والفنون الموقع الرائد الاول في هذاالمجال         موقد موقع الثقافة والفنون يرحب بزواره ويأمل بعودته الى الساحة الثقافية ان يستمر بالعطاء وان يكون منبرا حرا لكل الاقلام الهادفة         شَكْـوى وَلَـد غَـزّاوي- د. نزيه قسيس         من سيرتي الذاتــيــة - ب. فاروق مواسي         ملاحظات سريعة حول كتابة فاروق مواسي القصصية: رائد الحواري         العدد الأخير من مجلة "الشرق":         سميح القاسم : الشاعر والبطل توأمان - مقداد مسعود         دافعوا عن إنسانيّتكم- مادونا عسكر         دراسة لديواني "اسمكَ تهليلة زمرد " و" شمس حضورك أسطورة " لشوقيه عروق منصور         كتاب "اليهودية التي لم نعرفها ليوخي براندس" ومقتطفات منه         
New Page 1

الصفحة الرئيسية | اجعلنا صفحتك الرئيسية | أضفنا الى المفضلة | ساهم في نشر موقعنا | خريطة الموقع

 
 
 

     مقالات

New Page 1

أخي سالم/ سليمان جبران

26/02/2012 11:38:00

سليمان جبران

مهمّة غير سهلة أن أتحدّث عن سالم جبران. سالم أخي وصديقي، بل هو توأم روحي، على الأقلّ في عهد الطفولة والمراهقة في القرية، وفي سنوات ثلاث أخرى اقتسمنا فيها الهواجس والرؤى وغرفة صغيرة في "درج الموارنة" في حيفا. كنّا، قبل أن تختلف بنا المسالك والمساعي، متماثلَين مزاجا وفكرا، مطامح ومواقف. لذا، فإنّي إذ أتحدّث عن سالم كأنّما أتحدّث عن ذاتي، وهذا ما لم نتعلّمه في بيتنا، ولا أظنّنا نجيده. مع ذلك، أجدني اليوم، وقد رحل سالم عنّا، مطالَبا لأوّل مرّة في حياتي بذكر بعض عوامل التكوين في تشكيل سالم الشاعر وسالم الإنسان.
في البقيعة كان المولد والنشأة، والبقيعة يومذاك على الأقلّ كانت قرية متميّزة. في قلب القرية ساحة كبيرة مبلّطة، الحارة نسمّيها، تقسم القرية بالتساوي إلى شطرين شرقي وغربي، كأنما هما الجناحان لهذا القلب الأخضر. ومن أضلاع الصخر في أقصى الشمال منها، تتفجّر "عين البلد" ثرّة نقيّة عذبة، فتسقي أهلها وتروي حواكيرهم، واحدة تحت الأخرى كأنما هي جنائن معلّقة. في الحارة أيضا توتة أزلية رؤوم، هزلت في هذه الأيّام وانكمشت، كانت تحتضن الصغار والكبار؛ هؤلاء في لهوهم بالبنانير والمراشيق، وأولئك في منتداهم الشعبي؛ يروون الحكايات والنوادر والفكاهات، يردّدون الأشعار والأزجال، ويناقشون القضايا الصغيرة والكبيرة، فيتّفقون مرّة ويختلفون مرّات، دونما حقد أو ضغينة. المراة فقط لم يسعفها حظّها في ارتياد هذا المنتدى إلا لماما ومن بعيد؛ صبايا تأتي العين في أبهى زينتها، فتملأ جرارها ماء، وقلوب الشباب حسرات، ونساء يقطعن الحارة في الطريق من البيت أو إليه. في هذه الحارة وتحت هذه التوتة أمضى سالم، أمضينا جميعا، أجمل أيّام الطفولة، فبقيت راسخة في الأعماق. وإذا كانت ظروف الحياة أقصته عن قريته كبيرا، فقد ظلّت البقيعة، بحارتها وعينها وتوتتها وحواكيرها و"المستحيّة"، ماثلة في قلبه ووجدانه وشعره، لم تبرحها يوما!
بيتنا أيضا، حيث وُلد سالم وتربّى، كان في حارة عجيبة؛ حارة كوزموبوليتية، أو "تعدّديّة" بلغة هذه الأيّام: إلى الغرب من بيتنا كان بيت عائلة يوسف الزيناتي اليهوديّة، حائط لزق الحائط. وتخرج من بوّابة البيت فترى أمامك مباشرة بيت جارنا "أبو نعمة" المسيحي، وعن يسارك، عبر الشارع، كنيسا لليهود شامخا، يكاد يغطّي الفضاء، تمتدّ أمامه "بيوت اليهود" الخربة. وتنزل في الطريق إلى الغرب أمتارا، فتمرّ ببيت جارنا "أبو محمّد فارس" الدرزي، ملاصقا لبيت "خالتي زينة" المسلم. نعم، في هذا المحيط الضيّق من الأرض تعايشت تشكيلة كبيرة من العائلات والأديان في سلام ووئام، كأنّهم جميعا عائلة واحدة؛ يتشاجر صغارهم لأتفه الأسباب، إلا أنني لا أذكر "طوشة" واحدة صغيرة بين كبارهم. قد تبدو هذه الصورة لكثيرين في هذه الأيام يوتوبيا متخيّلة، إلا أنّها في الأيّام تلك كانت واقعا يوميا طبيعيّا، لم نجد فيه فرادة أو غرابة. فهل من غرابة إذا لم يعرف سالم، وقد ولد ونشأ في هذه الحارة التعدّدية، عصبيّة قوميّة، أو دينيّة، أو طائفيّة؟
العامل التكوينيّ الأخير، ولعلّه الأساسي أيضا، في سالم الشاعر والإنسان والسياسي، هو البيت طبعا. وأقول، دون مباهاة ناشزة أو تواضع كاذب، وكلاهما واحد، إنّه كان بيتا مختلفا. بيت طويل من الطراز الفلاحي التقليدي، يجمع بين جدرانه ثمانية أولاد، ستة إخوة وأختين، يُعنى بتنشئتهم والدان عانى كلاهما، في الطفولة، اليتم والفقر والقهر. إلا أن الطفولة البائسة هذه أنتجت من والدينا شخصيّتين متغايرتين تماما: والدة يغلب صمتها على كلامها، تقوم راضية مخلصة بمسؤولياتها الشاقّة في البيت والحقل، قانعة ببيت طافح بالأولاد والطموح. لكنّها لا تنسى لحظة أنّها "مقطوعة من شجرة"، لا أخ لها ولا أخت، فتصطبغ حياتها في الغالب بالاستكانة والانكسارية والضعف. الوالد أيضا عاش، كما ذكرت، يتيما، "ابن أرملة" بأسلوب تلك الأيام، في عهد لا يرحم الأيتام ولا الأرامل. إلا أن الظروف القاسية ذاتها، من يتم وظلم وإقصاء، خلقت منه ثائرا بوظيفة كاملة على المؤسسات والمواضعات كلّها من حوله؛ السياسيّة والاجتماعية والدينيّة. الشطر الأوّل من حياته كلّه أمضاه في "انتفاضة" مستمرّة على المؤسسات الجائرة تلك، مسلّحا بذراعه وعصاه، وثقة بالنفس لا تهتزّ، وإيمان بالتفوّق راسخ، لا تنال منه الظروف ولا المعوّقات. كان والده، داود الجبران، كما حدّثنا غير مرّة عن أمّه، حاديا معروفا. وقد مال في شبابه فعلا إلى اقتفاء طريق أبيه، لكنّه لم يجد في هذا الفنّ غير المديح الكاذب وابتذال الذات، فعزفت نفسه عن هذا المسلك، فلم يبق منه فيه سوى حفظ الأزجال وتأليفها أيضا، وشغف بالأدب عجيب، وتقديس للشعر والشاعر. لذا، كان شغلنا الشاغل أيضا، في أمسيات الشتاء الطويلة حول الموقد، حفظ القصائد وإلقاءها، ومساجلات في الشعر والزجل تبدأ ولا تنتهي. في هذا البيت المشبع فضاؤه بالثورة والشعر، المحكوم بكاريزما الأب ومثله، ولد سالم، وتنفّس هواءه، فحمل شهوة تغيير العالم حتى آخر يوم في حياته.
من هذا البيت المختلف، من هذه الحارة التعدّدية، من هذه القرية المتميّزة، كانت بداية سالم. والبقيّة أرجو أن تأتي في مناسبة أخرى، أو مجال آخر.

 

نص الكلمة التي ألقاها بروفيسور سليمان جبران في الندوة الأدبية التي أقامتها مؤسسة محمود درويش للابداع
في 25/ 2/ 2012 في كفر ياسيف



أضف تعليق

الاسم
الدولة/ العنوان
التعليق
رمز التحقق
تغيير الصورة

تعليقات الزوار

 

علاقات عامة

مكتبة "كل شيئ" تفتتح بازار الكتب المدرسيّة في حيفا

15/07/2014 13:07:00


مكتبة كل شيء تصدر"الخواجا" لفدى جريس

12/03/2014 09:03:00


مكتبة كل شيء تُصدر رواية "سروال بلقيس" لـ صبحي فحماوي

15/01/2014 19:54:00


كل شيء والمؤسسة العربية تصدران "جنين 2002" لـ أنور حامد

07/01/2014 12:13:00


مكتبة كل شيء والقاسمي يصدران كتابًا جديدًا لـ ب. فاروق مواسي

22/12/2013 08:40:00


صدر عن مكتبة كل شيء كتاب "وثائق ومقتطفات من الصحافة والمصادر العراقية عن يهود العراق في العصر الحديث"

25/08/2013 13:31:00


سياقات وقصص اخرى للاديب احمد حسين

11/07/2013 06:33:00


"تذكار" للكاتب نايف خوري

15/06/2013 10:14:00


الرب لم يسترح في اليوم السابع – رشاد ابو شاور

12/06/2013 07:05:00


مكتبة كل شيء تثري حدث تدشين ميدان على اسم" اميل حبيبي" بمجموعاته الكاملة

25/05/2013 09:06:00


 
 
 
 
 
 
 
 

 

 

 

 

واحة الموقد  | علاقات عامة  | مقالات  | سيمون عيلوطي  | ابداعات  | ثقافة وفكر  | قصة وشعر  | إعلام  | كشكول  | الرأي الحر  | منبر الموقد  | مختارات  | منوعات  | من نحن  | اتصل بنا  | فنون  | مواقع صديقة  | أَرسل مقالاً 
جميع الحقوق محفوظة.
تصميم www.artadv.net
المواد المنشورة في "الموقد" تعبر عن رأي أصحابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع