موقد موقع الثقافة والفنون الموقع الرائد الاول في هذاالمجال         موقد موقع الثقافة والفنون يرحب بزواره ويأمل بعودته الى الساحة الثقافية ان يستمر بالعطاء وان يكون منبرا حرا لكل الاقلام الهادفة         ابناء الطوائف المسيحية جزء من الشعب العربي         اتّحاد الأدباء الفلسطينيّين يستنكر أيّ مسّ بمكانة اللّغة العربيّة         مصادر الأدب النسائي في العالم العربي للبروفيسور جوزيف زيدان شويري         امتحانات في قواعد اللغة العربية         استجواب للقصبي في اتحاد كتاب الدقهلية ..         مجمع اللغة العربية يستنكر مشروع قانون لإلغاء المكانة الرسميّة للغة العربية         الشاعر موسى حوامدة يوقع ديوانه الجديد "جسد للبحر.. رداء للقصيدة"         أوراق أصيلية: 1- في نقد الارتباط بالأشخاص         
New Page 1

الصفحة الرئيسية | اجعلنا صفحتك الرئيسية | أضفنا الى المفضلة | ساهم في نشر موقعنا | خريطة الموقع

 
 
 

     ثقافة وفكر

New Page 1

التشخيص والتجسيم في شعر الطبيعة عند ابن الرومي /سعيد موزون:1-2

27/07/2012 10:43:00

سعيد موزون، المغرب

"إن أكثر الشعراء اختراعا ابن الرومي".
ابن رشـيق القيرواني

تمهيد :

هذه الدراسة محاولة لإنصاف الشاعر من ظلم التاريخ وإهماله لشعره وأخباره، "هذا الشاعر الكبير ظلم من القدماء والمحدثين على السواء فلم يعطه هؤلاء ولا أولئك حقه ولم ينصفوه، وأطلقوا عليه بعض الأحكام العفوية أو المقصودة لتشوه أدبه"1، فلا تكاد تجد له أثرا في الموسوعات الأدبية القديمة ولا التراجم ولا كتب تاريخ الأدب؛ كالأغاني للأصفهاني و"العقد الفريد" لابن عبد ربه، و"الكامل في اللغة والأدب" للمبرد وطبقات ابن المعتز، لعل السبب أن المنطلقات المعيارية التي يعتمدها هؤلاء لوضع تراجم الشعراء لا تخلو من الأهواء والنزوات والأمور الشخصية، ويضربون صفحا في مؤلفاتهم عن الجانب الفني الجمالي إذا كان بينهم وبين صاحب الإبداع الشعري عداوات أو ضغائن أو خلافات فكرية و سياسية واجتماعية، ولذا تجد ابن المعتز مثلا" أهمل جماعة من الشعراء المشهورين .. أمثال ديك الجن الحمصي وابن الرومي، ولعل سبب إهماله الأخير أنه هجا والده المعتز بالله"2، وسكت عنه المبرد أيضا في "الكامل" لأنه لم يسلم من هجائه.. فلا تكاد تجد له أثرا برغم علو كعبه، اللهم إشارات يسيرة عن بعض أخباره في بعض الكتب مثل: "طبقات النحويين" للزبيدي، و"زهر الآداب" للحصري، و"العمدة" لابن رشيق و"رسالة الغفران" للمعري و"الفهرست" لابن النديم. والشاعر وإن اتفق أن ذكر له شيء في كتب الأدب وُصف بكلمات وجيزة مفادها أنه "لم يكن شيئا كبيرا بالقياس إلى الخالقين من السادة الذين تركوا على الشعر العربي أثرا باقيا"3. وإنه لمن الخطأ المفرط إطلاق مثل هذه الأحكام دون تدقيق النظر في أشعاره ومعانيها، وكيفية صياغتها لا سيما في الوصف والهجاء "ولئن بخس المؤرخون حق ابن الرومي فلم يعنوا بجمع أخباره، لقد كان الشاعر أحرص منهم على ذلك، فجاء شعره تاريخا صادقا لحياته وصورة ناطقة بأخلاقه وصفاته"4.

ولأجل كشف السديم الذي ظل يضبب حقيقة الرجل آمادا من الزمن، فقد حاولت دراسة ما استطعت من قصائد أظنها تحمل في طياتها بعض مظاهر التجديد الفني، وتناولت بعض النصوص الشعرية التي تضمنها ديوان ابن الرومي، وحاولت أن أعود إليها تذوقا وتفهما، وقد استرعى انتباهي وفرة موضوعاتها وجمالها الفني على مستوى المعاني والصور الفنية، فتوسّلت ببعض المصادر والمراجع في هذا الباب، محاولة مني لإبراز قيمة شعره الفنية لا سيما في وصف الطبيعة.
التشخيص والتجسيم في شعر الطبيعة :

استعان ابن الرومي بأسلوب التشخيص والتجسيم personnification من أبي تمام، واستخدمه استخداما واسعا في شعره تمثَّل به نفسه وحبه للطبيعة ومظاهرها المختلفة، في جو رومانسي يزيده جمالا خياله الفياض وإحساسه المرهف، فكان وَصّافا يقظ الشعور دقيق الملاحظة شديد الانتباه، يسبر الأغوار ويتحرى الاندماج في الموضوع الوصفي بمقاربة الواقع الموصوف بمشاعره وأحاسيسه، ويتعمق في وصف الأشياء وتصويرها تصويرا بارعا، هذه الملكة الفنية جعلته يغرق في ملاحظة دقائق الأشياء، ويتتبع كل تفاعلات الطبيعة ومظاهرها المختلفة، ويتفاعل مع كل حركة وهمسة ونسمة، ويخاطبها كأنها إنسان له جوارح وأحاسيس وانفعالات، ويلجأ إلى تشخيصها وإخراجها في قالب فني بديع.فما المقصود بالتشخيص؟ وما هي أهم تجلياته على مستوى المعاني؟

قال العقاد في معرض حديثه عن التشخيص: "المقصود بالتشخيص تلك الملكة الخالقة التي تستمد قدرتها من سعة الشعور حينا، أو من دقة الشعور حينا آخر، فالشعور الواسع هو الذي يستوعب كل ما في الأرضين والسموات في الأجسام والمعاني، فإذا هي حية كلها، لأنها جزء من تلك الحياة المستوعبة الشاملة، والشعور الدقيق هو الذي يتأثر بكل مؤثر، ويهتز لكل هامسة ولامسة، فيستبعد جد الاستبعاد أن تؤثر فيه الأشياء، وهذا الشعور الدقيق هو شعور ابن الرومي بكل ما حوله"5. هذا الشعور جعله يضيف إلى الأشياء صفات لا يُعقل عادة أن تضاف إليها، فلا تبقى مادةً بعيدة عن حياة الناس ولا فكرةً مبهمة، وإنما يجسمها ويصورها مقربة من أذهان المتلقين، فلا تلبث الشمس في السماء مجرد طبيعة صامتة تؤدي وظيفة الحرارة والإضاءة فحسب،ولا الرياحين والزهور تكتفي بنثر رائحتها العطرة في الأرض فحسب،ولا الغيث يظل ممطرا فقط، بل إن هذه المظاهر كلها تتفاعل وتتحرك داخل القصيدة تحركا بشريا وتنفعل انفعالا بشريا أيضا، فترى الشمس حينما تغرب في موقف جنائزي تودع الكون والكائنات في حسرة وأسى، وترى الورد يخجل خجلا عجيبا لتفضيل النرجس عليه فتحمر خدوده لذلك،وترى الغيث باكياً على الأطلال،وهكذا دواليك والطبيعة لديه كُلٌّ لا يتجزأ، يهيم بها ولا يستطيع فكاكاً من تشخيصها وتجسيمها، فجعل يحدثها وتحدثه ويخاصمها وتخاصمه،ويبثها شكواه ويلوذ إليها ويعتبرها صاحبا آمنا يُودعُه كل أسراره ويسكن إليها، كاشفا لها عمّا انطوت عليه نفسه من مشاعر وأحاسيس وانفعالات، وهو يجد فيها متنفسا لما يعانيه من ظلم الإنسان وغدر الزمان، لقد"كان شديد الحس، مرهف الشعور فأغرم بالطبيعة وظل مشغوفا بها، فهي تهيج روحه ومشاعره"6، وتستهويه ألوانها وأزهارها ورياحينها ورياضها وبرقها وغيثها وتستولي على فؤاده، فيتأمل ويفكر ويدمن النظر في هذا العالم الطافح بالجمال، فيخرج من تأمله بما يشبه الأَقْيسة المنطقية والنظريات والأحكام الشعرية،فاستطاع بذلك أن يخرج على التقليد العربي حين وصف الغروب والروض والورد والنرجس والربيع، وكل ما يتفاعل في الطبيعة من معاني الجمال، فاكتسب القدرة على بعث الحياة في الصور الشعرية، ساقته إلى دقة متناهية في تصوير المعاني، فطور الأساليب التي أخذها من القدماء ومن أبي تمام، وولد لنفسه شعرا جديدا صاغه صياغات جديدة بأسلوبه وطريقته، مما جعل منه رمزا متميزا في سماء التجديد خاصة في الهجاء والوصف.
نماذج شعرية للتشخيص والتجسيم في شعر الطبيعة:
أ. وصف منظر الغروب

قال ابن الرومي في وصف مشهد الغروب7:

إذا رنَّــقتْ شمسُ الأصيل ونفَّضتْ *** عـلى الأفق الـغَربيّ وَرْساً مـُذَعْذَعا 8
وَوَدَّعــت الدنيا لـتقضي نحــبها *** وَشَوَّلَ بــاقي عـمرها فتشـعشعا 9
ولاحظت الــنُّوار وهي مـــريضة *** وقد وضعتْ خدّا إلى الأرض أضـرعا
كما لاحظت عُوَّاده عين مــُدْنف *** توجع مـــن أوصـابه مـــا تــرجعا10
وظـلت عيون النور تخضلُّ بالندى *** كما اغْرَوْرَقَتْ عينُ الشَّجي لـتدمعا
يُراعينَها صــُوراً إليها رَوانــيا *** ويلحَظْن ألحاظاً من الشجر خُـَّشعا
وَبيَّنَ إغْضـاءُ الــفراق عـليهما *** كـأنهما خلاَّ صــــــَفاء تَــــوَدَّعا
وقد ضَربتْ في خُضرة الروض صُفرة *** من الشمس فاخضرَّ اخضرارا مُشعشَعا
وأذكى نسيمُ الرّوض ريعانُ ظــلّه *** وغـنّى مُغنّـى الطير فيه فـسجَّعا
وغرد ربعيُّ الذباب هــــــــناكُمُ *** على شـدوات الطير ضربا مـوقعا

الشاعر في هذه الأبيات "يصف غروب الشمس وصفا تتراءى فيه المشاركة الوجدانية على شكل لم يسبق إليه"11، وهذا التصوير الوصفي ليس من قبيل الوصف التقريري المباشر لمشهد الغروب، فلسنا أمام شمس تغرب، وإنما كأننا إزاء جنازة شمس مريضة كئيبة، تودع الدنيا بنظرات حزينة، ملؤها المرارة والكآبة والحسرة، وصاحباتها الأزهار يقرئنها السلام ويودعنها في حسرة، ويذرفن الدموع لفراقها، وكأنها تلفظ أنفاسها الأخيرة وتلقي آخر نظراتها على الكون، ويشفقن من رحيلها بعيون ذابلة كسيرة، تترقرق منها دموع الحزن والأسى، تشكلها قطرات الندى المنسابة على أوراقها، فتخْضلُّ عيونها بالدموع وتتحسر الأزهار على غروبها وزوالها، فيخيم الموت على هذا الموقف ويعم حزن رهيب وكآبة عظمى، تتحول من خلالها خضرة الروض إلى صفرة موحشة، فتلتقي أصداء الطيور ورنين الذباب لتؤلف سمفونية الموت.

والشاعر في هذا التشخيص العجيب ينطلق من خيال قوي، وعاطفة مرهفة اتجاه منظر الغروب، لأنه يحس في داخله بوحشة الغروب، وما ينعكس به على الشمس من انكسار ويأس ووجوم، فألف بين هذه المعاني التشخيصية بتناسق وانسجام أودعها دقة في الملاحظة وخيالا واسعا وشعورا عميقا بدقائق الأشياء، هذا الشعور عند ابن الرومي يسبق كل تشخيص أو كل صورة مشخصة في شعره، فيلقي عليها ظلاله ويزرع فيها الحياة، من خلال أشكال وصور ترتسم في ذهنه، أكسبته قدرة عجيبة على تشخيص الأشياء، وفي هذا يقول طه حسين: "نظرة ابن الرومي إلى الأشياء ونظرته إلى الطبيعة وتفكيره فيما يفكر فيه من المعاني، كل هذا يخالف المألوف عند الشعراء المتقدمين والمعاصرين"12. ويقول أيضا في حديثه عن خياله وشعوره: "إن ابن الرومي كان قوي الخيال جدا، وكان خياله بعيدا ليس بالقريب، وكان حاد الحس جدا وكان قوي الشعور، فكان إذا ألم ّ بمعنى من المعاني تأثر به تأثرا واضحا"13.
ب. وصف الربيع
قال ابن الرومي في وصف الربيع14:

ورياض تَخَايَلُ الأرضُ فــيها *** خــــــيلاءَ الفتاة في الأبــراد 15
ذاتُ وَشْي تــناسجَتْه سَوار *** لَــبقاتٌ بـحَوْكه وَغَـــــوَاد 16
شكرت نعمة الوليّ على الوَسْـ *** ـمي ثم الــعهاد بعد العهاد 17
فهي تثنـي على السماء ثـناء *** طـيّبَ النشر شائعا في الـبلاد
من نسيم كأن مَـْسرَاهُ في الأر *** واح مَسرى الأرواح في الأجساد
حمـلتْ شُكرَها الرياحُ فأدّتْ *** مـــا تـؤديه ألسن الـــعُوَّاد
مَـنظرٌ مُعجبٌ تحية أنــف *** ريــحها ريح طيب الأولاد

الأرض تبدو مختالة مزهوة مثل فتاة تزينت بأفضل لباسها وأجمل ثيابها، زاد من حسن منظرها غيوم الصباح والمساء وما حملته من أمطار الولي والوسميّ، فشكرت لها هذه النعمة التي تغدقها عليها وفضلها فيما ظهرت عليه من مظاهر الروعة والجمال، ثم بعد هذا الشكر لهج لسانها بمدح السماء مدحا عظيما، توج بانتشار رائحة زكية في أرجاء البلاد، يحملها النسيم إلى النفوس فيحييها كما تحيي الأرواح أجساد العباد، ومنظر الرياض الخلاب وعطر أزهارها يملأن النفس حنانا وعطفا كرائحة الأولاد النجباء، والرياح قد حملت شكر الرياض ونثرته في الأجواء أريجا فواحا يبعث على الأمل والارتياح في النفوس، مثلما يفعل عائدو المريض حين يعودونه فيبعثون الأمل في نفسه، في هذا المنظر تبكي الحمائم المنفردة في الروض على الأحبة حزنا على انفرادها ووحدتها، وهو في هذا كأنه يومئ إلى ما أصابه في أولاده وزوجته مما جعله حزينا وحيدا في الحياة:
تــتداعى بها حمائم شــتى *** كالـبواكي وكالقيان الشوادي
تتغنى القران مـنهن في الأيـ *** ـك وتبكي الفرادُ شَجْوَ الفراد18

ج. وصف السّحر:
قال الشاعر في هذا الوصف :

حيَّتْكَ عنّا شمالٌ طاف طــائفها *** بجنة فَجَّرت روحا وريـحانا
هبّت سُحَيْراً فناجى الغصنُ صاحبَه *** مُوسوساً وتنادى الطير إعـلانا
وُرْقٌ تَغَنّى على خُضْر مُــهَدّلة *** تسمو بها وتشم الأرض أحيانا
تَخالُ طائرها نشوان من طـرب *** والغصنُ من هزّه عطفيه نشوانا19

يصف الشاعر في هذا المقطع هبوب الريح في السحر فتية باردة تبعث الحياة في الأغصان لتفيق وتستيقظ،ثم تمر على الأطيار لتوقظها هي الأخرى،وتعلن ميلاد نهار جديد،فإذا بها تغني على الأغصان الراقصة أغنية الحياة، لتنطلق في النهاية فَرْحَةٌ شاملة تعم أرجاء الروض كله.

د. وصف النرجس
رسم ابن الرومي لوحة فنية رائعة في وصف النرجس قال فيها:

خجلت خدود الورد من تفضيله *** خجلا توُّردها عليه شــاهد
لم يـخجل الورد المورَّد لـونه *** إلا ونـاحله الفضيلة عـاند
فَصْلُ القضيّة أن هذا قـــائد *** زهـر الرياض وأن هذا طارد
شــتان بين اثنين هذا مـوعدٌ *** بتَسَلُّب الدنيا وهذا واعــد
وإذا احتفظت به فأمتع صاحب *** بــحياته لو أن حيّاً خالد
للنـرجس الفضل المبين وإن أبى *** آب وَحَادَ عن الطريقة حائد20

عمد الشاعر إلى التجسيد المصور بخيال واسع، جعل الورد فيه إنسانا يتضاءل ويقل شأنه أمام النرجس، فشعر بالخجل واحمرت خدوده، فاعتبر النرجس قائد الزهر والورد تابع له فقط، وشتان بين الإثنين، ولهذا السبب انفرد النرجس بالفضل المبين سواء رضي بذلك راض أو رفضه رافض.قال الجرجاني في روعة هذا الوصف: "وترتيب الصنعة في القطعة أنه عمل أولا على قلب طرفي التشبيه (...) فشبه حمرة الورد بحمرة الخجل، ثم تناسى ذلك وخدع عنه نفسه وحملها على أن تعتقد أنه خجل على الحقيقة، ثم لما اطمأن ذلك في قلبه واستحكمت صورته، طلب لذلك الخجل علة فجعل علته أن فضل على النرجس، ووضع في منزلة ليس يرى نفسه أهلا لها، فصار يثوب عن ذلك ويتخوف عيب العائب وغميزة المستهزئ، ويجد ما يجد من مدح مدحة يظهر الكذب فيها، ويفرط حتى تصير كالهزء بمن قصد بها.ثم زادته الفطنة الثاقبة والطبع المثمر في سحر البيان،ما رأيت من وضع حجاج في شأن النرجس، وجهة استحقاق الفضل على الورد فجاء بحسن وإحسان لا تكاد تجد مثله إلا له"

ابن الرومي وشعر الطبيعة في مرآة بعض الدارسين والنقاد:

اعتبرت بعض الدراسات التي تناولت شعر الطبيعة عند ابن الرومي بأنه شعر لا حياة فيه ولا ابتكار، فوصفته بالجمود والتقليد والاصطناع، وهو في الحقيقة مكمن التجديد في شعره بصفة عامة، من ذلك ما سلّم به سيد نوفل أثناء حديثه عن الطبيعة في شعر ابن الرومي فقال بأنه "مقلد في الطبيعة لا يصدر عن ذات نفسه ولا يهيم بها،وإنما يصطنع أساليب الآخرين ويحذو حذوهم، وإن كان له إبداع فليس في باب الطبيعة وإنما في باب الهجاء... ويزداد أمر ابن الرومي وضوحا إذا ذكرنا أنه لا يذكر الطبيعة في كثير من الأحيان ذكر المفتون بها الذي تتّحد عنده مظاهرها المختلفة، وتتوثق بينهما وتصور في نفسه بمجموعها كُلاًّ للعالم الطبيعي الباهر الجمال" . ويذهب إلى نفس الرأي حنا الفاخوري أثناء حديثه عن وصف الشاعر للسحاب والمطر والليل والطرد فيقول:"أكثر الشاعر من تحديهم - أي القدماء والعباسيين- فيه ومن اقتباس معانيهم،ولا سيما في وصف السحاب والمطر والليل والطرد، فجاء قسم كبير من شعره في هذا الباب مبتذلا، قد شاع فيه التقليد وجمود العاطفة والخيال على السواء وفتور العبارة، وغدا بجملته أشكالا متتالية لا ابتكار فيها ولا روعة ولا حياة" .
الظاهر على هذه الآراء النقدية أنها في حاجة إلى مزيد من الاستغراق والإمعان والتدقيق في مراجعة هذا الأمر، لأنّا نظن أن أغلب تجديده ينبع من هذا الجانب - أي شعر الطبيعة- وفي الهجاء كذلك؛ أما القول بأنه كان مقلدا في شعر الطبيعة يصطنع أساليب الآخرين ويقتبس معانيهم، فقد كان كذلك ولكن تقليده لم يكن محاكاة حرفية لما هو قديم، وإنما كان يتوسل أحيانا الأداة الشعرية والمادة اللغوية من أصولها وينابيعها الصافية، ثم يصقلها ويهذبها لتتناسب مع ذوقه وفنه الأدبي، ويعرضها أجمل عرض بطريقة مولدة، لاجئا إلى ما يسمى "الإلمام والسلخ" paraphrased quotation ؛ وهو"أن يأخذ الشاعر معنى غيره ممن تقدموه أو عاصروه دون ألفاظه كلها أو بعضها" ، وابن الرومي"قلَّ له أن ترى له معنى أخذه من غيره، أو سرقة عمد إليها كما يفعل سواه من الشعراء، وكان إذا تناول معنى قديما أفاض عليه من شاعريته أثوابا من التجديد والبيان، قال أبو تمام:
غرّبته العُلى كثرة الأهــ *** ـل فأضحى في الأقربين جنيبا

أخذه ابن الرومي فزاد فيه وأبدع في قوله:
غرّبته الخلائق الزهر في النا *** س وما أوحشتـه بالتغريب"
فالشاعر لا يذوب في القديم ولا يحذو حذو المحافظين المشدودين إلى الماضي من الذين يعيشون في تراثه أكثر مما يعيشون في حاضرهم، ويستخدمون لذلك نفس آليات التعبير التي استخدمها أسلافهم، فيبقى تقليدهم تقليدا جافا وجامدا لا تطوير فيه ولا تجديد ولا جمال؛ من مثل محمد بن مناذر وبكر بن النطاح . وهو في بحثه عن الصورة الشعرية الجميلة "كان يوشّح شعره ببعض التواشيح التقليدية دون أن ينقاد في ذلك انقيادا تاما، لأن تجاربه وانفعالاته كانت أعمق وأقوى اختبارا من أسوار التقليد المحيطة به" . وقد ظهر هذا التقليد والتأثر بالخيال البدوي القديم في قوله وهو يصف السحب:
مـتهللٌّ زجلٌ تحنُّ رواعــد *** في حجرتيه وتـستطير بُروقُ
سـدت أوائله سبيل أواخـر *** لم يدر سائقهن كيف يسوقُ
فـسجا وأسعد حالبيه بَدْرةٌ *** منه سواعدٌ ثَرَّةٌ و عـروقُ
وتـنفّست فيه الصبا فتبجّست *** منه الكلى فأديمُه مـعقوقُ
حـتى إذا قُـضيَت القيعانُ الملا *** عنه حقوقٌ بعدهنّ حُـقوقُ
طـفقتْ رواياهُ تـجرُّ مزادها *** فوق الرُّبى ومزادُها مشقوقُ
وتضاحَكَ الروضُ الكئيبُ لصوبه *** حتى تفتّق نُورُه المـَـرتوقُ
وتـغرّدَ المُـكّاء فــــــيه كـــــــأنه *** طَربٌ تعلّل بالغناء مَشُوقُ

استمد الشاعر في هذه القصيدة صور تشبيهاته من البيئة التي عاش فيها، يظهر ذلك في الاستعارة المكنية في البيت السابع، حيث شبه منظر الروض بالإنسان الضاحك، فحذف المشبه به الذي هو"الإنسان" وأبقي على شيء من لوازمه الذي هو "تضاحك" على سبيل الاستعارة المكنية، والدلالة البلاغية لهذه الصورة الشعرية تتجلى في تجسيد ابن الرومي لإحساسه بالجمال والأمل لحلول السحاب على الروض وتفتق النور لذلك، فعكست الصورة البلاغية ما كان يختلج في صدره من مشاعر مرهفة اتجاه هذا المنظر الأخاذ. وفي البيت السادس استعار صورة من التراث، فشبه السحاب المملوء بالماء بصورة الروايا من الإبل،فجمع في الصورة بين القديم والجديد؛ فهو في تمثله للقديم، يعرض بعض مظاهره عرضا رائعا ويصوره تصويرا جذابا،يستخدم فيه المواد الأصلية ويخرجها في قالب جديد يتسم بالتناسق والانسجام، شأنه في ذلك شأن ابن المعتز وأبي تمام الذين سلكوا منهجا وسطا بين القديم والجديد، فلم يرفضوا الأول رفضا باتّا كما فعل أبو نواس في ثورته على المقدمة الطللية، ولكن كانوا يقتبسون منه المادة اللغوية وبعض الصور الفنية فيوظفونها في وصفهم للطبيعة مثل الطباق والجناس.

لقد التأم القديم والجديد في شعره "فيذكر ابن الرومي- مثلا- في وصفه للسفينة ألفاظ: الأواخر،والأصلاب والأعجاز والقوادم والهوادي والسروج والحيازم،وعلى الرغم من ذلك فقد بدت واضحة المزاوجة بين التراث الشعري القديم والشعر المعبر عن الحياة الجديدة" ، فطفق ينفق صوره الفنية في المزج بينهما، متسولا بالتراث القديم وناقدا له في نفس الوقت، وقد ثبت أنه "كانت له معارضات كثيرة للنابغة، أبي نواس والحمدوني ودعبل وغيرهم" . فيستنبط أدوات البديع والتصنيع من جناس وطباق وتصوير، ويستخدم بعض الألفاظ الجزلة، وكل ما يتناسب مع ذوقه الحضري، ولا يكتفي بالألفاظ القديمة فحسب، بل يوظف بعض ما اتفق له في عصره من ألفاظ أعجمية دخيلة في وصفه للورود والرياحين مثل النسرين والنرجس والياسمين، وأيضا في وصفه للأشجار مثل الجلنار والجلفت "وهو دخيل في شعر ابن الرومي" ، وهذه الأشياء الدخيلة يصور بها معانيه الجديدة في ملائمة دقيقة بين ماضي الشعر وحاضره، حتى لقد استغرب الناس منه ذلك وخروجه عن المألوف في الشعر العربي، فأضحت "صناعة الشعر هي الشغل الشاغل لابن الرومي،فهو لا يفتأ يحتال على الجديد،في أقرب الصور من الوجدان الشعبي، وكان هذا موضع الخطر حتى حورب الرجل من كل من عرفه في شعره وفي رزقه، وفي سلوكه" .

هذه خلاصة وجيزة لأطراف القول في مسألة التقليد والتجديد لدى الشاعر في شعر الطبيعة، وفيما يخص الجانب الآخر المتعلق بالذاتية في هذا الباب، فإنه من الخطأ المفرط أن نجرد الشاعر من العاطفة والتجاوب الوجداني بينه وبين الطبيعة، فالرأيان الآخران يسلمان بأن ابن الرومي لا يصدر عن ذاته ولا يهيم بالطبيعة ولا يذكرها ذكر المفتون بها، وأن شعرا كثيرا في هذا الباب شاع فيه جمود العاطفة والخيال، فإذا سلمنا بهذا الحكم دون إمعان وإعادة نظر، نكون قد ضربنا صفحا عن جزء كبير من إبداعه الشعري، فنسقط التجديد الفني فيه بحكم أن أغلبه كان في الوصف والهجاء، فكيف يوصف شعره في هذا الجانب بجمود العاطفة والخيال، والعاطفة حاضرة بقوة في وصفه وبشكل كبير قلما عهدناه في شاعر قبله؟ "والوصف عند ابن الرومي أخص ميزة يعرف بها، فهو من أي النواحي أتيته تجده وصافا بارعا ومصورا دقيقا، وفي شعره أوصاف جديدة لم يسبق إليها شاعر" . فكيف يغيب الخيال في شعره إذن، وفيه أوصاف جديدة لم يفطن إليها شاعر قبله؛ من ذلك وصف رياض الربيع ووصف شمس الأصيل والعنب الرّازقي الذي اعتبر من أبرع موضوعات الوصف عنده، قال فيه:

ورازقـــــيّ مـــخطف الخـصور *** كـــــــأنه مـخازنُ الـــبلّور
قد ضُمّنَت مسْكاً على الشطور *** وفي الأعالي ماءُ وَرْد جُوري

شبّه الشاعر العنب الرازقي بمخازن البلور لاكتناز داخله وكثرته، والتشبيه ها هنا قد أضفى على تشخيص العنب صورة بديعة، بحيث شبه امتلاء داخله بالخصر لوفرته وامتلائه .
إن الشاعر - عموما- في وصفه للطبيعة،يعتبرها حضنا رحبا يلوذ إليه كلما أحس بالضجر والاغتراب في العالم المحيط به،فعرف الطبيعة وتحسس جمالها وشاركها أفراحها وأحزانها وتألم لغروب شمسها، ولم يكن ينظر إليها كشيء خارج عن كيانه، بل وصفها من خلال أحاسيسه وخلجات نفسه وأشركها عواطفه، فجسّمها وشخّصها، وقد وجد فيها مرتعا خصبا لخياله ومقيلا لأفكاره، فأخذ يُعمل خياله ويتأمل الطبيعة ويبثها آلامه، ويفتن بها ويقف على جمال مظاهرها ومناظرها، فتثير فؤاده وتستهويه وتملك عليه حواسه، فلا يكتفي بوصفها وصفا آليا بل يعمد إلى تمثيلها تمثيلا إنسانيا، يشعر فيه بروحانية أقرب إلى عالم التصوف، تجعله يحس الطبيعة وكأنها محبوبته ومعشوقته تجمعها الأشواق الحارة والود والصفاء، ومن ثمَ قويَ ارتباط الشاعر بها، وفي هذا يقول شوقي ضيف: "كانت الطبيعة تستأثر بكل مشاعره وعواطفه، مما جعله يكلف بها كَلفا شديدا، بل لقد تحول عاشقا لها عشقا لا نألفه عند شعراء العربية من قبله، فهو يعيش فيها مع كل حركة وكل همسة وكل وسوسة معيشة قوية حارة، معيشة محب واله،يرى الطبيعة من حوله وقد تحولت وجوها فاتنة ناطقة، وكل شيء فيها يغريه بالنظر واللمس والشم... فيزداد بها ولهَاً ويزداد سرورا وغبطة" .
شعر الطبيعة بين ابن الرومي والقدماء:

هذا التجاوب العاطفي الذي نلمسه في شعر ابن الرومي، نجده عند شعراء المدرسة الرومانطيقية في أوربا، خاصة لامارتين وردزورث، وعند رواد الشعر الرعويpoésie bucolique في عصر النهضة، خاصة مع الشاعر الإيطالي بترارك وبعض شعراء القرن الرابع الهجري مثل الصنوبري، وشعراء الأندلس كابن خفاجة وابن زيدون وابن هانئ وابن حمديس القائل في نهر يشخصه ويجسمه:
ومُـطَّرد الأجزاء يصـقل مـتنه *** صبا أعلنت للعين ما في ضميره
وجريح بأطراس الحصى كلما جرى *** عليها شكا أوجاعه بـخريره .
ونجد أيضا ممن درج على هذه الطريقة الفنية بعض شعراء النهضة خاصة خليل مطران الذي كان يتغنى بالطبيعة، ويفزع إليها كلما ضاقت به الحياة فيقول:
وفي الهواء حــنين *** مــــــــن الهوى وزفــير
وللمياه أنـــين *** تذوب منه الصخور
وللنسيم حـديث *** عـلى المروج يدور
ولــلأزاهير فكر *** يـرويه عنها العبير
ويتضح أمر ابن الرومي في هذا المجال أكثر، ليس في إغراقه في المشاركة الوجدانية للطبيعة وإيغاله في حبها فقط، بل في تجديد الصياغة الفنية للمعاني والأسلوب، فيتدقق في انتقاء الألفاظ السهلة البسيطة، ويتأنق في صوغ العبارات المحكمة البناء، ويتجاوز القديم في اللفظ والتركيب والصورة الشعرية، فلا تكلف ولا تصنع مفرط ولا حشو مُخلّ بالصورة الفنية فيتمثل الطبيعة كما يحسها في نفسه، ويصورها بلغة تقوم على تهذيب اللغة القديمة وتنقيتها من غريب اللفظ وزخرف الكلام، وهو في هذا كله يحرص على إبراز الطبيعة وحدة حية ذات انسجام وتآلف، تتفاعل فيها عناصر الجمال بشتى تلاوينها، وتتحد فيها السلوكات الإنسانية المثالية وهاهنا مفترق السبل بين الشاعر والقدماء،إذ إن الشاعر القديم أثناء وصفه للطبيعة لا يتجاوز حدود ما تقع عليه عينه، فيأتي بتشبيهات وتصاوير مألوفة تنحصر في المحسوسات المحيطة به، يلاحظ فيها غياب التشخيص في كثير منها، والشعر في هذا الباب وإن كان نابعا من عاطفة جياشة وفوران نفسي صادق اتجاه الطبيعة، وإحساس عميق بجمالها وجمال حيواناتها، إلا أنه يحاكي الطبيعة بخيال محدود لا يصل إلى ابتكار وتخيل جسوم أو أحياء تحرك هذه الطبيعة، وتتفاعل معها وتتألم وتفرح وتبكي وتضحك،-على غرار ما نجده مثلا عند ابن الرومي في وصف الغروب- ويحصر إبداعه وخياله في حدود الصحراء المحيطة به،والخيام التي تأويه والفرس والوحش والإبل والآرام وكل ما يستولي على لبه وفكره في الحياة الصحراوية، فكان لزاما أن لا يتجاوز هذه البيئة الصغيرة وما حولها في التعبير عن أحاسيسه وخواطره وآلامه، فإذا أخذنا مثلا شعر الطبيعة عند الصعاليك الجاهليين وهم أقرب من مزاج ابن الرومي في نظرتهم إلى المجتمع- من خلال نفورهم الشديد من الناس ولواذهم إلى الطبيعة- نجد شعرهم في هذا الباب وإن كان ذا فن أدبي رفيع لا يتجاوز الأشياء المحيطة بهم في المعنى والصياغة الفنية،فترى الشنفرى مثلا يحدثنا عن مغامراته في الوديان والصحراء بأسلوب بساطة الصحراء المحيطة به، فيقول:
وواد بعيد العمق ضنك جماعه *** بواطنه للجن والأسد مـألف
تعسّفتُ منه بعدما سقط الندى *** غماليلَ يخشى غيْلَها المتعسّف

وترى عبيد بن أيوب العنبري- وهو صعلوك من صعاليك العصر الأموي- يصف مغامراته في القفار مع غول صحبته أثناء ابتعاده عن دنيا البشر، ويصوره تصويرا يتفق مع حياة القفار ولا يتجاوز حدودها، بأسلوب بسيط ومباشر يغيب فيه الخيال والتوليد، قال فيه:

فلله درّ الغول أي رفـــيقة *** بصاحب قفر خائف متقتر
أرنت بلحن بعد لحن وأوقدت *** حواليّ نيرانا تلوح وتزهر

وشأن العنبري شأن تأبـط شرا وهو يصف غولا لقيَتْه في ليلة مظلمة ذات برق ورعد في قاع يقال له رحى بطان فجعل يقاتلها ويرواغها، فقال في ذلك :
ألا من مُـــبْلغ فتيان فَهْم *** بما لاقيتُ عند رحى بــطان
بأنـي قد لقيتُ الغول تهوي *** بسُهْب كالصحيفة صَحْصَحان .
فقلتُ لها: وكلاَنا نـضْو أَيْن *** أخـو سفر فخـلي لي مكاني
فشدت شدة نحوي فأهوى *** لـها كـفي بمصقول يمانـي
فأضربها بلا دهش فـخرت *** صـريع لليدين وللــجران

ولدى الخنساء أيضا نجد المعاني والأخيلة لا ترقى على التشخيص الإنساني للطبيعة، ولا تتجاوز حدود الموصوفات، وإن كان شعرها في ذلك نابعا من عاطفة جياشة وحرقة نفسية بسبب موت أخيها صخر، فتطالعنا في إحدى مرثياتها بأسلوب بسيط بساطة الطبيعة المحيطة بها، تصور فيها أرقها وخوفها على أخيها فتقول:


أرقتُ ونام عن شهري صحابي *** كــأن النار مــشعلة ثيابي
إذا نجم تــــغوّر كــــلفتني *** خَـوالدٌ مـا تؤوب إلى مآب

وكذلك نفس الأمر نجده لدى شاعر الطبيعة في العصر الأموي ذي الرمة، حيث قال في وصف منظر من الطبيعة البدوية المحيطة به:
وأرض خلاء تسْحَلُ الريح متنها *** كساها سواد الليل أرديةً خُضْراً
لقد لعبت الطبيعة دورا هاما في الشعر القديم، فكانت مصدر إلهام للشعراء وسعت أخيلتهم وأرهفت أحاسيسهم فالشاعر القديم كان هائما بالطبيعة لا يترك صغيرة ولا كبيرة في حركاتها وسكونها إلا حاول رسمها في شعره، فراح يرسم خلواتها بكثبانها ورمالها وغدرانها وغيثها وسيولها ووحشها وقحطها وحيوانها، فيتحدث عن رحلته في الصحراء ومغامراته فيها، ويصف الأطلال وكل ما تقع عليه عينه في صحرائه، فلم يستطع بالرغم من ذلك أن يتجاوز حدود ما تراه عينه.والخلاصة التي يمكن الخلوص بها انطلاقا من هذه الشواهد هي أن معظمها يتسم بالبساطة والمباشرية في التصوير،وفي تناول المشهد الموصوف برغم ما فيها من استعارات وتشبيهات وصور فنية جميلة، فتظهر المعاني في بعض جوانبها عارية من الخيال، فتوصف أشياء الطبيعة بأخرى مثلها غير بعيدة عن المحيط أو البيئة المحيطة بها، فترى الواد في بيتي الشنفرى عميقا وبعيد الأغوار تسكنه الجن والأسود، وترى التصوير الوصفي في مثال عبيد العنبري لا يكاد يختلف عن مثيله عند الشنفرى، وترى تأبط شرّا في قتاله مع الغول يطعنه بالسيف ويضربه ضربا مبرحا، فيصف هذه المغامرة وصفا عاديا بأسلوب يؤدي المعنى في صورة شعرية معهودة،ونفس الوصف يتكرر في بيتي الخنساء وذي الرمة، فلا تكاد تختلف الصور الشعرية من شاعر لآخر سواء في المعنى أو اللفظ، وكلها تقريبا صور مألوفة في الشعر القديم، إلا إذا استثنينا امرؤ القيس الذي كان يصور الطبيعة تصويرا بارعا قَلّ مثله في الجاهلية أو الإسلام. والشعر القديم في هذا الباب قلما نجد فيه الربط بين صفات الإنسان وصفات الحيوان أو النبات، على عكس ما نجد في شعر المولدين في العصر العباسي من صور شعرية تجاوزت المعطى الموضوعي إلى ما وراءه، فشخّصت الطبيعة وجسّمتها تجسيما غريبا وطريفا،على نحو ما نجد عند ابن المعتز في تصويره للنجوم في الليل برهبان دير يصلون وهم يرتدون أرديتهم السوداء:
نَـبّهْتُه ونـجوم الليل راكعة *** في محفل من بقايا ليلها جُونُ
ركوعَ رهبان ديرٍ في صلاتهم *** سُودٍ مدارعهم شُمْطِ العثانين

(يتبع......)



أضف تعليق

الاسم
الدولة/ العنوان
التعليق
رمز التحقق
تغيير الصورة

تعليقات الزوار

1

محمد/المغرب، المغرب

دراسة ثاقبة، تحياتي


2

تسنيم ريحان- الجزائر، الجزائر

هذا شعر جميل لكن انا اطلب قصيدة واحدة عن جمال الطبيعة :)


3

مصطفى البشير انجاي، السنغال

دراسة ماتعة، فابن الرومي علم من أعلام الشعر وأنا كشاعر أميل إليه وأفتتن بشعره أكثر وأقدمه على غيره لكثرة اختراعاته وتلاعبه بالألباب وبلاغته وتفننه في ضروب الإبداع وتفرده في الوصف إلى حد نقل الصورة الحية بكل تفاصيلها أمام القراء فرحمه الله من فنان بارع. وبارك الله فيكم


4

رابعة، السلام

ابن الرومي ,, شاعر صنع لنفسه عالم خاص ,بعد ان ضاق من حياة عصره, شاعر تبرم على مجتمعه وابى ان يعيش في قفص الظلم والجور السياسي والاجتماعي والاقتصادي, عموما : اذا اردتم ان تلتمسوا جمال الخيال فالننظر لشعر ابن الرومي ففيها الأبداع والانس والفن . هذا هو ابن الرومي.


5

مجهول، تونس

طويل جدا أسلوب ممل


6

فيفي، الجزائر . الجزائر

مقاطع شعرية رائعة


 

علاقات عامة

امتحانات في قواعد اللغة العربية

15/09/2014 06:42:00


مكتبة "كل شيئ" تفتتح بازار الكتب المدرسيّة في حيفا

15/07/2014 13:07:00


مكتبة كل شيء تصدر"الخواجا" لفدى جريس

12/03/2014 09:03:00


مكتبة كل شيء تُصدر رواية "سروال بلقيس" لـ صبحي فحماوي

15/01/2014 19:54:00


كل شيء والمؤسسة العربية تصدران "جنين 2002" لـ أنور حامد

07/01/2014 12:13:00


مكتبة كل شيء والقاسمي يصدران كتابًا جديدًا لـ ب. فاروق مواسي

22/12/2013 08:40:00


صدر عن مكتبة كل شيء كتاب "وثائق ومقتطفات من الصحافة والمصادر العراقية عن يهود العراق في العصر الحديث"

25/08/2013 13:31:00


سياقات وقصص اخرى للاديب احمد حسين

11/07/2013 06:33:00


"تذكار" للكاتب نايف خوري

15/06/2013 10:14:00


الرب لم يسترح في اليوم السابع – رشاد ابو شاور

12/06/2013 07:05:00


 
 
 
 
 
 
 
 

 

 

 

 

واحة الموقد  | علاقات عامة  | مقالات  | سيمون عيلوطي  | ابداعات  | ثقافة وفكر  | قصة وشعر  | إعلام  | كشكول  | الرأي الحر  | منبر الموقد  | مختارات  | منوعات  | من نحن  | اتصل بنا  | فنون  | مواقع صديقة  | أَرسل مقالاً 
جميع الحقوق محفوظة.
تصميم www.artadv.net
المواد المنشورة في "الموقد" تعبر عن رأي أصحابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع